عماد الدين خليل
280
دراسة في السيرة
هيبة المسلمين في قلوب البطون العربية التي لم تكن قد دخلت في الإسلام ، وانفسح المجال أمام النبي صلى اللّه عليه وسلم لنشر دعوته « 1 » . ولم يمض على ذلك كبير وقت حتى سدد الرسول صلى اللّه عليه وسلم لليهود ضربة أخرى بقتل كعب بن الأشرف ، أحد كبار زعمائهم ، في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة . وكان كعب قد صعّد نشاطه ضد الإسلام في اللحظة التي قدم فيها إلى المدينة مبعوثا الرسول صلى اللّه عليه وسلم من معركة بدر ، زيد بن حارثة وعبد اللّه ابن رواحة ، لإعلان بشرى انتصار المسلمين في لقائهم الحاسم مع المشركين . فقال كعب : ويلكم أحق هذا ؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس ؟ واللّه لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لنا من ظهرها . . هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا ، فما عندكم ؟ قالوا : عداوته ما حيينا . قال : وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم ، ولكني أخرج إلى قريش فأحضهم وأبكي قتلاهم فلعلهم ينتدبون فأخرج معهم . وبعد أن تيقن من صحة الخبر غادر كعب المدينة متوجها إلى مكة ونزل هناك على أحد زعمائها ، وراح يحرض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وينشد الأشعار في هجائه ويبكي أصحاب القليب من قادة قريش الذين صرعوا في بدر ، وقفل عائدا إلى المدينة لكي ينشد قصيدة يشبب فيها بامرأة مسلمة تدعى أم الفضل بنت الحارث : إحدى بني عامر جنّ الفؤاد بها * ولو تشاء شفت كعبا من السقم لم أر شمسا بليل قبلها طلعت * حتى تجلت لنا في ليلة الظلم ! ! وتحول من أم الفضل إلى نساء مسلمات أخريات مشببا بهن حتى آذاهن . وعند ذلك قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : من لي من ابن الأشرف ؟ فقال رجل من الأنصار يدعى محمد بن مسلمة : أنا لك به يا رسول اللّه ، أنا أقتله . قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : فافعل إن قدرت على ذلك ! ! توجه محمد بن مسلمة إلى دار ابن الأشرف ، في بني النضير ، يصحبه أربعة من رفاقه . وعندما اقتربوا من داره بعثوا إليه أحدهم ، أبا نائلة ، فجاءه فتحدث معه ساعة ، وتناشدا شعرا ، ثم قال أبو نائلة : ويحك يا ابن الأشرف ! إني قد جئتك
--> ( 1 ) ولفنسون : تاريخ اليهود ص 131 .